
مايحدث في الأقصى.. مايحدث في القدس.. مايحدث في غزّة.. مايحدث في فلسطين.. مايحدث في الوطن العربي (المرحوم قبل ولادته) .. مايحدث في العالم الذي يؤول إلى الخراب.. مايحدث الآن في أي مكان، لم يعد يحتمل السياسة التي تعتمد العقل والعقلانية، ولم يعد يحتمل التروّي لإجراء الموازنات وحساب الخطى. مايجري الآن خروج على أي منطق، ولا يمكن مواجهته إلا بمنطق اللامنطق نفسه حتى يُرَدّ، وإلاّ بقينا نراوح في أمكنتنا نتحسّر على بقايا أمجاد حملها أجدادنا على أكتافهم، ثم أهملها أبناؤهم ببرود يشبه برود جندي صهيوني وهو يقتل طفلاً في حضن أمّه.
عانى لبنان كثيراً من أجل فلسطين، احتلّ الصهاينة جنوبه ودمّر قبلة الثقافة والفكر، واحتلّ الجولان.. والعرب يتفرّجون.. يعدّون الاجتماعات والمؤتمرات.. يدينون ويشجبون ويتوعّدون.
وبإمكانات ذاتية استعاد لبنان عافيته، وبفضل المقاومة التي حطّمت موائد المفاوضات، حُرّر الجنوب وأعطانا دروساً في كيفية استعادة الحقوق. وما تزال بعض الحكومات العربية تفاوض وتصافح وتصالح وتتلقّى الطعنات تلو الطعنات، وما تزال الشعوب العربية مغيَّبة لارأي لها ولا حول.
الآن نفكر بعقد قمة إسلامية تشجب وتدين، وما تزال الاتصالات جارية لتشكر أمريكا لأنها امتنعت عن التصويت في مشروع إدانة الكيان الصهيوني الذي يقتل الأبرياء، بعد أن تعوّدنا أن يحمل الأمريكان لافتة (الفيتو) ليعترضوا على كل قرار إدانة تصدر من هيئة الأمم المتحدة ضد الكيان الصهيوني.
وما تزال أمريكا تعدّ نفسها المُدافع الأوحد عن حقوق الأمم وعن تنظيم العلاقات بين الدول على أساس من الشرعية الدولية التي هي شرعيتها وحدها وحسب.
أين أمريكا في القرارات الشرعية الدولية التي تدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ؟
أين أمريكا في الانتهاكات التي تجري ضد العرب داخل حدودهم وخارجها؟.
هل نصدّق أن أمريكا تغيّرت ؟
أمريكا هي أمريكا، تلك التي تجرّأت في أواخر الحرب العالمية الثانية وألقت بقنابلها الذرية على كلّ من هيروشيما وناغازاكي فياليابان كي تتخلّص من عدوّها الصامد، فاحتجّ العالم برهة بعد أن استسلمت اليابان دون قيد أو شرط، ثم نُسي الأمر.
ونُسيت دماء مليون ضحية ومليون جريح، ونُسي الدمار الذي أحدثته أمريكا المتحضّرة التي سرعان ماأعلنت نفسها شرطياً على الدول، بل لقد استطاعت أن تزرع في العالم فكرة أنها المخلص الجديد للكون من كل الشرور، وبخاصة من المسلمين والعرب الذين يتميّزون بالإرهاب (!).
من هو الإرهابي ومن هو الضحية؟ هل هو الذي يحمل الحجارة ويدافع عن نفسه وعن حقوقه ومقدساته وآرائه بفتات السلاح الذي ترميه الدول التي استعمرته وجزّأته ونهبت ثرواته، أم هو المحتل الغاصب الذي يتسلّح بالنابالم والأسلحة الالكترونية الذرية والنووية ؟! هل نريد – نحن العرب – الحفاظ على بقايا سمعتنا التي تتمسّك بالسلم وبالسلام؟ وهل نجهد طويلاً من أجل أن يُشطب اسمنا من لائحة الإرهابيين؟
وهل نثق بأن الهيئات الدولية تستطيع الخروج على تعليمات أمريكا التي تمتثل لما يريده الصهاينة ؟
هل يُرجى لنا خير من الجلوس إلى موائد المفاوضات لنقنع الصهاينة أن يكتفوا باغتصاب بعض أراضينا؟ هل يُرجى خير من الاجتماعات والمؤتمرات والمباحثات لإصدار القرارات التي تشجب وتستنكر وتدين؟
هل يُرجىلنا خير من أمريكا التي جرّبناها كثيراً، وما زلنا نأمل بعدم استخدامها حق الفيتو (الذي فرضه الأقوياء) ضد القرارات التي تأمر الصهاينة بالانسحاب وبوقف الإرهاب والقتل والتدمير؟
أيها المسلمون ..
أيها العرب النجباء .. يامن صبرتم كأيوب وعُذّبتم كسيزيف وعطشتم كصحراء ليبيا: ألم تتعبوا من الكلام ؟
ألم يَحِن وقت استخدام حق الفيتو على العقل ليتوقّف برهة عن المسالمة والاستسلام؟
ألم يَئِن الأوان كي نشجب التكنولوجيا قليلاً، ونتخلّى عن الكلامولوجيا الإذعانية المراوِغة، لنمارس حقّنا في الدفاع عن أنفسنا ونعلن على أعدائنا الحربلوجية كي نثبتلهم أننا آدميون ولنا حق العيش أحراراً كراماً آمنين في ديارنا ؟
وإذا كان العقل والعقلانية لم يعودا مجديين، ألا يحقّ لنا أن نمارس الجنون ؟